ابن تيميه

145

الرد على الأخنائي قاضي المالكية

فقلت : سلّمت على النبي صلى اللّه عليه وسلّم . فقال : « إذا دخلت المسجد فسلم عليه » . ثم قال : إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم قال : « لا تتخذوا بيتي عيدا ولا بيوتكم مقابر ، لعن اللّه اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ، وصلّوا عليّ فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم » . ما أنتم ومن بالأندلس منه إلا سواء « 1 » . ورواه إسماعيل بن إسحاق القاضي في كتاب « فضل الصلاة على النبي صلى اللّه عليه وسلّم » ولفظه قال : ما لي رأيتك وقفت ؟ قلت : وقفت أسلّم على النبيّ صلى اللّه عليه وسلّم . فقال : إذا دخلت المسجد فسلّم ، وذكر الحديث ، ولم يذكر قول الحسن . وقال إسماعيل : حدّثنا إبراهيم بن الحجاج ، عن وهيب ، عن أيوب السختياني قال : بلغني واللّه أعلم أن ملكا موكّل بكل من صلّى على النبي صلى اللّه عليه وسلّم حتى يبلغه « 2 » . وأما السلام ؛ ففي النسائي وغيره من حديث سفيان الثوري ، عن عبد اللّه بن السائب ، عن زاذان ، عن عبد اللّه بن مسعود ، عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « إن للّه ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام » « 3 » . وفي الحديث الذي تقدم من رواية أبي يعلى الموصلي ، وقد تقدم إسناده عن علي بن الحسين أنه رأى رجلا يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي صلى اللّه عليه وسلّم فيدخل فيها ، فنهاه وقال : ألا أحدّثكم حديثا سمعته من أبي عن جدي عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم قال : « لا تتخذوا بيتي عيدا ولا بيوتكم قبورا ، فإن تسليمكم يبلغني أينما كنتم » . فهذه الأحاديث المعروفة عند أهل العلم التي جاءت من وجوه حسان ، يصدّق بعضها بعضا وهي متفقة على أنه من صلّى عليه وسلم عليه من أمته فإن ذلك يبلغه ويعرض عليه ، وليس في شيء منها أنه يسمع صوت المصلّي والمسلم بنفسه ، إنما فيها أن ذلك يعرض عليه ويبلغه صلى اللّه عليه وسلّم في مدينته ومسجده أو مكان آخر . فعلم أن ما أمر اللّه به من ذلك فإنه يبلغه ، وأما من سلّم عليه عند قبره فإنه يرد عليه ذلك كالسلام على سائر المؤمنين ؛ ليس هو من خصائصه ، ولا هو السلام المأمور به الذي يسلّم اللّه على صاحبه عشرا ، كما يصلّي على من صلّى عليه عشرا ، فإن هذا هو الذي أمر اللّه به في القرآن ، وهو لا يختصّ بمكان دون مكان .

--> ( 1 ) تقدم تخريجه . ( 2 ) أخرجه القاضي إسماعيل بن إسحاق الجهضمي في « فضل الصلاة » ( 24 ) . وقال الشيخ الألباني : إسناده إلى أيوب - وهو السختياني - صحيح ، وهو مرفوع في صورة مقطوع ، لأنه لا يقال بالرأي » . ( 3 ) أخرجه أحمد ( 1 / 387 ، 441 ، 452 ) والنسائي ( 3 / 43 ) وفي « الكبرى » ( 1 / 380 / 1205 ) و ( 6 / 22 / 8994 ) وابن حبان ( 3 / رقم : 914 ) والحاكم ( 2 / 421 ) وغيرهم . من طريق : سفيان الثوري به . وإسناده صحيح كما قال ابن القيم في « جلاء الأفهام » ( ص 120 ) .